هناك خلاف قديم بين علماء النفس فيما إذا كان النبوغ والعبقرية موهبة في الإنسان أو أنها أمر يمكن اكتسابه، وهو الخلاف الذي لم يتأت لأحد بعد أن يجد الجواب الشافي له.
لكن عموما ما يراه معظم الباحثين المهتمين بقضايا العبقرية والنبوغ حاليا هو أن الذكاء الحاد يأتي بسبب جينات خاصة من نوعها، وأن عوامل مثل العوامل النفسية أو الجهود التي يبذلها الإنسان في تطوير ذاته هي عوامل محدودة الأثر، ولعلك لا تجد بينهم أحدا يرى أن الأداء العبقري في أي مجال من المجالات يمكن اكتسابه لأي شخص يرغب ذلك. هذا بالطبع مخالف لوصفة توماس أديسون، أحد أعظم عباقرة العصر الحديث، والذي قال بأن العبقرية هي "1 % إلهام و 99% جهد مضنٍ". أيضا هذا مخالف لبعض الآراء والدراسات التي بدأت تظهر هنا وهناك وتقول بأن كل شخص يمكنه تحقيق الأداء العبقري في المجال الذي يريده إذا عمل بما يكفي على تحقيق ذلك.
واحد من هؤلاء الباحثين هو أندرز أريكسون، وهو عالم نفس في جامعة ولاية فلوريدا الأمريكية، والذي توصل لهذه النتيجة بعد عشر سنوات من البحث المتواصل في هذه القضية. الرد البديهي على رأي أريكسون هو ما يسميه د. بريان باتر وورث عالم الدماغ بجامعة "لندن كوليج" بـ"حجة موزارت". وتقول حجة موزارت إنه من المستحيل لأي شخص أن يصبح عبقريا في مجال ما كما أصبح موزارت عبقريا في مجال الموسيقى من خلال بذل الجهد فقط، بل لا بد أن تكون هناك موهبة ما كتلك التي امتلكها موزارت وغيره من العباقرة في مختلف المجالات وحرم منها أقرانهم المنافسون لهم.
جواب د . أريكسون على "حجة موزارت" هو أنه حتى موزارت استطاع أن يحقق إنجازاته بالكثير من العمل ومثله العباقرة الآخرون، ويرد على القصص التي تروى عن موزارت بأنه منذ طفولته ظهرت عبقريته الخارقة قبل أن يتلقى أي تدريب بأنها قصص بالغ فيها محبو العباقرة وتحولت لأساطير لا يصح بناء الحقائق العلمية على أساسها، ولذا فهو يطالب بضرورة دراسة حياة العباقرة الذين ما زالوا يعيشون في يومنا هذا.
ويقدم د. أريكسون نظريته المتكاملة في تفسير العبقرية والتي يصل بها في النهاية إلى أنه من الممكن لكل فرد أن يصبح عبقريا إذا شاء ذلك . يقول أريكسون بأن العباقرة يطورون عادة ذاكرة قوية لتخزين المعلومات ذات الأهمية لهم في موضوع ما.
وإذا كان من المعروف لعلماء النفس وفي علم الدماغ أن ذاكرة الإنسان تنقسم إلى قسمين: ذاكرة نشطة قصيرة المدى، وذاكرة طويلة المدى، فإن العباقرة حسب هذه النظرية يتميزون بأنهم يرتبون المعلومات الهامة لهم بطريقة فعالة في الذاكرة طويلة المدى بحيث يكون على الذاكرة النشطة قصيرة المدى الاستفادة منها عند الحاجة إليها. ويضيف د. أريكسون بأن هذا النشاط غير العادي للذاكرة هو ما يميز المتفوقين في كل المجالات بدءا بالشطرنج ومرورا بالطباعة على الكمبيوتر وانتهاء بالجولف، وهو نشاط يمكن تطويره واكتسابه حسب اعتقاد أريكسون.
ولعل ما يدعم هذه النظرية التجربة التي قامت بها ناثالي زوريو ـــ مازوير، عالمة الدماغ بجامعة "كان" بفرنسا والتي استطاعت مع زملائها من الباحثين قياس نشاط الدماغ لأحد عباقرة الرياضيات وهو يقوم بالعمليات الحسابية المعقدة.
هذا العبقري اسمه ( روديجر جام )، يتميز بأنه يستطيع حساب الجذر الخامس لرقم طويل يزيد عن المليار في ثوان معدودة ويستطيع حساب أي رقم أقل من 100 بعد ضربه في نفسه تسع مرات،وعندما يطلب منه قسمة رقم على الآخر فإنه سرعان ما يأتي بالجواب ليعد حوالي 60 رقماً على يمين الفاصلة بالنسبة للناتج . قامت د. ناثالي بقياس عمل دماغ جام والذي يقوم بعمليات رياضية يستحيل على غيره من عموم المتخصصين في الرياضيات إنجازها في أول دراسة من نوعها نشرت في مجلة "علوم الدماغ الطبيعية"، وتم مراقبة دماغ جام من خلال جهاز متخصص في ذلك يسمى "positron-emission tomography PET" كما راقبوا النشاط الدماغي لعدد آخر من الناس للمقارنة معهم ووجدوا أن الجميع يستخدم 12 منطقة في الدماغ أثناء الحساب، لكن جام يزيد عن هؤلاء باستخدام خمس مناطق إضافية أخرى، علما أن ثلاثة من هذه المناطق قد ربطتها البحوث العلمية السابقة بالذاكرة طويلة المدى. ما اكتشفته هذه الدراسة أن جام لا يملك أي قدرات خارقة من نوعها، وإنما يتميز بأنه يحفظ آلاف الطرق والنتائج والمعادلات الرياضية والحسابية في ذاكرته طويلة المدى ليستخدمها بسرعة عند الحاجة إليها.
المميز في جام والذي يبلغ حاليا 26 عاما من العمر أنه لم يولد بهذه القدرة الاستثنائية بل كان شخصا عاديا حتى بدأ في سن 20 عاما تخصيص 4 ساعات من وقته يوميا للتدرب على العمليات الحسابية مما يعني اهتمامه غير العادي بها. طبعا هذا يتوافق مع ما يقوله د. أريكسون والذي يؤمن أن تحقيق ذلك ممكن لأي شخص يتدرب بما فيه الكفاية لتحقيقه.
في الحقيقة هناك دراسة أخرى قام بها د. أريكسون نفسه قبل عشرين عاما حين أحضر مجموعة من الأشخاص في مختبره العملي وحاول تطوير قدراتهم في مجال حفظ الأرقام العشوائية. وإذا كانت التجربة تقول أن الشخص العادي يستطيع عادة حفظ سبعة أرقام متوالية عشوائية وترديدها فإن د. أريكسون استطاع زيادة هذه القدرة بعد عام من التدريب لدى اثنين من المتدربين إلى 80 أو حتى 100 رقم متوالية.
تجربة ثالثة في نفس الاتجاه قام بها عالم بولندي اسمه لازلو بولجار والذي أراد تحدي النظرية التقليدية في تعريف العبقرية وقام هو وزوجته بتدريب بناته على لعب الشطرنج حتى صرن كلهن من أبطال العالم في الشطرنج مثبتا بذلك أن التدريب وحده يمكن أن ينتج عباقرة في مجال معين،ففي عام 1992م صار كل البنات الثلاثة أحد أفضل عشرة في العالم في مجال مباريات الشطرنج النسائية، وكانت إحداهن أصغر من يحصل على لقب "جراند ماستر" في تاريخ الشطرنج وقد تصبح يوما حسب توقعات من يراقب مبارياتها بطلة للعالم في الشطرنج. كان بولجار في تدريبه لبناته يطبق نظرياته التي كان قد نشرها في كتاب بعنوان "تربية عبقري"، وصار متخصصا بعد ذلك في قضايا التربية غير العادية للأطفال. ولكن السؤال القديم يبقى قائما :
هل كل طفل يتلقى نفس التربية يمكن له أن يصبح عبقريا؟ بالنسبة لإلين وينر، عالمة النفس بكلية بوسطن والمتخصصة في دراسة العلاقة بين التعرض للفنون والإنجاز الأكاديمي ترى أن الجواب على هذا السؤال هو "لا" وتقول أن من يستطيع فعل ذلك هم فقط الأطفال الذين لديهم "الرغبة الجامحة في التفوق"، وهو شعور قد ينمو لدى الطفل أثناء الساعات المكثفة التي يبذلها للتدريب على موضوع معين.
هذا بالطبع ليس جديداً تماما فحتى الدكتور أريكسون يرى أنه قد يكون هناك جينات معينة لدى الطفل تجعله مستعدا للعيش ضمن جدول تدريب مكثف مقارنة بأقرانه الذين قد يفضلوا قضاء هذا الوقت في اللعب واللهو.
أو لنقل بشكل آخر، حتى لو لم يكن لدينا عباقرة ونوابغ منذ الولادة فإن هناك موهبة "القدرة على الإنجاز"، ولكن المجال الذي يحقق فيه هؤلاء العباقرة الإنجاز يتحدد تماما حسب البيئة أو الظروف أو التربية التي تعرضوا لها في صغرهم وجعلتهم مهرة في مجال ما.
لا بد أن نذكر أن هناك الكثير من علماء النفس الذين يرفضون هذه النظرية ويرون أن العبقرية في جزء منها موهبة تأتي مع الإنسان منذ ولادته، ومن هؤلاء د. ديين سيمونتون الأستاذ بجامعة كاليفورنيا بمدينة سان دياجو الأمريكية والذي أكد نظريته في كتاب له نشرته جمعية علم النفس الأمريكية يتناول فيه حياة علماء النفس العباقرة. لم يكن بين هؤلاء د . أريكسون صاحب النظرية المخالفة لكن بعد عشر سنوات من الآن قد يدخل د . أريكسون قائمة العباقرة من علماء النفس فقط إذا امتلك "الرغبة الجامحة" التي تدفعه للعمل على ذلك، وهذا بالتأكيد سيقدم إثباتا آخر لنظريته الفريدة من نوعها .

 


 ⋅
تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة الموقع بها


12
Jayant
2015-08-12 18:08:10
ntwc3uojfe6@gmail.com
Your articles are for when it abetulosly, positively, needs to be understood overnight.
11
ahmed haraz
2013-07-01 05:07:02
ahmedharaz_hhh@yahoo.com
اللهم بارك لهم فى ما نصحونى به
10
jozef hadad
2013-01-19 11:01:22
jozef.00 @hotmail.com
موضوع الزكاء والعبقرية له خلفياته ويطرح عدّة مواضيع اخرى ويعود الزكاء الى الجهد المضاعف في المجال المطلوب (دراسي-عملي-حسابي-اجتماعي-نظري-داخلي وانفعالي حرفي-ادبي وفني.)فالزكاء ليس ملكة مستقلة بل هو حصيلة تفاعل عناصر كثيرة.
9
aya
2012-10-24 22:10:15
aya_jbfan@yahoo.com
this article is quite interesting , i find what arixon said is 100% true , despite the brain cells i think hard work has the biggest share in brain development .. so i hope when i focus on something i want so bad i get it right by hard work , even if my IQ isnt so high , though alot of people say that i`am brainy " smart " :)
8
nataliekhazaal
2012-08-25 06:08:13
nataliekhazaal@yahoo.com
اكيدالذكا اله دور بس العمل اله الدور الاكبر و الرغبة و الطموح بيلعبوا دور كتيير كبير
7
mohammad sanouri
2012-08-24 01:08:39
alsanouri12345678@hotmail.com
في كلام إريكسون و ايديسون نقطة مشتركة هامة جداً مع أن إيدسون يعتبر أحد العباقرة و ايريكسون كرس حياته من أجل ذلك ومن قال بأن ايريكسون فيه جينيات للعبقرية لو كان كذلك لاستطاع أن يبرهن نظريته و لكنه عمل على أن يبرهنها ومع ذلك نستطيع حسب تجاربه أن نفكر بنظريته لمجرد التفكير إذاً هو استطاع السيطرة على عقولنا فهو انسان عبقري أنا في الصف العاشر ة أطمح لأن أكون إنسان عبقري
6
سارة
2012-08-15 23:08:43
the_love_1996
انايقولون لي انني ذكية لكن في بعض الاحيان اشعر بانني لست ذكية واحبط يمكن ان يكون شعوري خاطئ ولكن لدي طموحااات كبيرة جداواحلام مستقبلة رائعة لكن لم اجد من يهتم بذلك منذ الصغر وينمي لي طموحاتي اكثر وانا اخاف ان تتحطم جميع احلامي والا احققها وافشل....
ماهو رايكم؟؟؟؟
5
ناني
2012-08-10 01:08:45
nanee1980@gmail.com
انا اعتقد ان الجينات لها دور بسيط ومن المعروف ان اينشتاين الذي يعتبر من العباقرة رسب في مادة الرياضيات عندما كان في الابتدائية لكن الممارسة والمعرفة كان لها الاثر الاكبر في نجاحه
4
بيبرس
2011-10-20 11:10:15

الإ نسان ابن بيئته
3
loaur
2011-09-27 23:09:54

thank you soooooooooooooooooooo much I love you
2
Emad Sy
2011-09-25 13:09:15

كلام محير لكن انا مع رأي أديسون
العبقرية 1% إلهام و 99% جهد مضن
ال1% منشوفا صغيرة لكن كتار ناس بيفتقدوها..
شكرا لكم
1
باحث عن المعرفة
2011-09-12 13:09:39

si on veut,on peut
شكرا و بارك الله فيكم





الاسم
البريد الالكتروني
كيف حالك




التعليق
 
رمز التحقق